ابن ميثم البحراني
87
شرح نهج البلاغة
محاسنها ثمّ عن قليل تزول عنهم فكأنّها لم تكن . كما هو معنى المثل المضروب لها في القرآن الكريم « واضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ » ( 1 ) الآية . الخامسة : كنّى بالعبرة عن الحزن المعاقب للسرور وتخصيصه البطن بالسرّاء والظهر بالضرّاء ، ويحتمل أمرين : أحدهما : أن يريد بطنّ المجنّ وظهره ، وذلك من العادة في حال الحرب أن يلقى الإنسان ظهر المجنّ ، وفي حال السلم أن يلقى المجنّ فيكون بطنه ظاهرا . فجرى المثل به في حقّ المتنكَّرين والمخاصمين بعد سلم . فقيل : قلَّب له ظهر المجنّ . كما قال علىّ عليه السّلام لابن عبّاس في بعض كتبه إليه : قلَّبت لابن عمّك ظهر المجنّ . فكذلك استعمل هاهنا لقائها للمرء ببطنها في إقبالها عليه ولقائه منها ظهرا في إدبارها عنه ومحاربتها له . الثاني : يحتمل أن يريد بطنها وظهرها . وذلك أنّ العادة فيمن يلقى صاحبه بالبشر والسرور أن يلقاها بوجهه وبطنه وفيمن يلقاه بالتنكير والإدبار أن يلقى بظهره مولَّيا عنه فاستعير ذلك للدنيا وعبّر به عن إقبالها وإدبارها . السادسة : وإنّما خصّ منها بالجناح لأنّ الجناح محلّ التغيّر بسرعة فنبّه به على سرعة تغيّراتها ، وإنّما خصّ الخوف بالقوادم من الجناح لأنّ القوادم هي رأس الجناح وهي الأصل في سرعة حركته وتغيّره وهو في مساق ذمّها والتخويف منها فحسن ذلك التخصيص ، ومراده أنّه وإن حصل فيها أمن فهو في محلّ التغيّر السريع والخوف إليه أسرع لتخصيصه بالقوادم . السابعة : لا خير في شيء من أزوادها إلَّا التقوى استثنى ما هو المقصود من خلق الدنيا وأشار إلى وجود هذا النوع فيها وهو التقوى الموصل إلى اللَّه سبحانه ، وإنّما كان من أزواد الدنيا لأنّه لا يمكن تحصيله إلَّا فيها ، وقد سبقت الإشارة إليه في قوله : فتزوّدوا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم غدا . وظاهر أنّه لا خير فيها عداه من أزوادها لفنائه ومضرّته في الآخرة . الثامنة : من أقلّ منها استكثر ممّا يؤمنه أي من الزهد فيها ، وقد عرفت
--> ( 1 ) 18 - 43 .